|
قال تعالى : ( مثل
الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت
اتخذت بيتا و إن اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو
كانوا يعلمون . ) [ العنكبوت ] قبل
التعرف على أوجه الإعجاز العلمي في آية قرآنية
كريمة يجب ربطها بما قبلها و ما بعدها من آيات
حتى نفهم موضعها في إطار السياق العام للسورة
التي وردت فيها ، كذلك يجب ربطها بكافة الآيات
المتصلة معها في المعنى .
تسبق قوله تعالى : (
إنَّ الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء و هو
العزيز الحكيم . و تلك الأمثال نضربها للناس و
ما يعقلها إلا العالمون . ) [ العنكبوت ]
.
و
قد جاء في تفسير هذه الآيات الكريمة أن الله ـ
سبحانه و تعالى ـ شبه الكافرين في عبادتهم
للأصنام بالعنكبوت في اتخاذها بيتا ضعيفاً واهيا
لا يجير آويا و لا يريح ثاوياً .
و
من لطائف التعبير القرآني أن المقصود بالوهن
المذكور في الآية القرآنية الكريمة ربما يكون
مرجعه إلى ما كشف عنه العلماء من ضعف البنية
الاجتماعية في بيوت الحياة للحيوانات الراقية ،
فلا تجد في عالم العنكبوت سوى الأنثى تطيح برأس
زوجها أو صغارها تهجر مواطن أهلها ..إلى غير ذلك
من مظاهر التفكك و عدم الترابط .
و
قد اهتم علماء الحضارة الإسلامية بدراسة العناكب
ووصفها أنواعها و طبائعها ، و دونوا نتائج
دراساتهم في عدد من الكتب التراثية ، مثل كتاب "
الحيوان" للجاحظ ، و كتاب " حياة الحيوان الكبرى
" للدميري ، و كتاب " عجائب المخلوقات و غرائب
الموجودات " للقزويني و غير ذلك . و توصل العلم
الحديث إلى وصف أكثر من 35000 نوع من العناكب
المختلفة الأحجام و الأشكال و الألوان و الطبائع
و الغرائز ، و يعتبر عنكبوت المنزل المعروف أقل
هذه الأنواع ابتكارا و تفننا في صنع نسيجه . و
لا تزال الدراسات الميدانية و البحوث العلمية
المتقدمة تكشف عن المزيد من أنواع العناكب .
و
من دراسة حياة العناكب لاحظ العلماء أن بيت
العنكبوت له شكل هندسي خاص دقيق الصنع ، و مقام
في مكان مختار له في الزوايا ، أو بين غصون
الأشجار ، و أن كل خيط من الخيوط المبني منها
البيت مكون من أربعة خيوط أدق منه ، و يخرج كل
خيط من الخيوط الأربعة من قناة خاصة في جسم
العنكبوت .
و
لا يقتصر بيت العنكبوت على أنه مأوى يسكن فيه ،
بل هو في نفس الوقت مصيدة تقع في بعض حبائلها
اللزجة الحشرات الطائرة مثل الذباب و غيرها ..
لتكون فريسة يتغذى عليها .
و
تدل الدراسات المستفيضة للحشرات على أن بعضها له
حياة اجتماعية ذات نظم و مبادئ و قوانين تلتزم
بها في إعداد مساكنها و الحصول على أقواتها و
الدفاع عن نفسها و التعاون فيما بينها بصورة
تدهش العقول و ذلك بإلهام من خلقها الذي يجعلها
تبدو و كأنها أمم لها كيان و نظام و عمران .
و
قد راقب الباحثون أنواع مختلفة من العناكب
فوجدوا أن لها قدرات فائقة في العمليات
الإنشائية حين تشيد بيوتها و تنسج غزلها ن و كشف
العلماء عن ثلاثة أزواج من المغازل الإنشائية
حين تشيد بيوتها و تنسج غزلها ن وكشف العلماء عن
ثلاثة أزواج من المغازل توجد في مؤخرة بطن
العنكبوت تأتيها المادة الخام عن طريق سبع غدد
في الأقل و أحياناً يصل عدد هذه الغدد في بعض
أنواع العناكب إلى 600 ، و خيوط العنكبوت حريرية
رفيعة جداً، حتى أن سمك شعرة واحدة من رأس
الإنسان يزيد عن سمك خيط نسيج العنكبوت بحوالي
400 مرة . و إذا كانت هذه الخيوط تبدو ضعيفة
واهية تمزقها هبة ريح ، إلا أن الدراسات أوضحت
أنها على درجة عالية من المتانة و الشدة و
المرونة .
و
من رحمة الله بعباده أن جعل العناكب ، و هي
المخلوقات التي يتقزز منها الإنسان ، لا تخلو من
فوائد عديدة ، فيه تلتهم الملايين من الحشرات
الضارة بالنباتات أو الصحة ، أي أنها تعمل
كمبيدات حشرية حية لدرجة أن أحد علماء الأحياء
يؤكد أن نهاية الإنسان تصبح محققة على ظهر الأرض
إذا ما تم القضاء على العناكب .
من
ناحية أخرى ، تستخدم العناكب في مجالات البحث
العلمي لتجريب تأثير بعض المواد المخدرة عليها ن
كما أن العناكب من أوائل الكائنات التي وضعت في
سفن الفضاء لملاحظة سلوكها و هي تبني شباكها تحت
تأثير انعدام الجاذبية في الفضاء الخارجي و تجري
حالياً دراسات علمية مكثفة للإفادة من حرير
العنكبوت على النطاق التجاري على غرار ما حدث
بالنسبة لاستخدام الحرير المنتج بواسطة دودة
القز .
و
يتجلى الإعجاز العلمي في التعبير القرآني عن
الفعل بصيغة المؤنث في كلمة " اتخذت " ، وهي
إشارة في غاية الدقة للدلالة على أن الأنثى ـ و
ليس الذكر ـ هي التي تقوم بضع نسيج البيت ،و كذل
الإشارة إلى ظاهرة التفكك الأسري في بيت
العنكبوت في أن العنكبوت الأم قوم بقتل زوجها
بعد التلقيح مباشرة و كذلك يهجر صغار العناكب
أعشاشها في سن مبكرة ، و هو ما كشف عنه العلم
الحديث بالنسبة لغالبية أنواع العنكبوت ، و ما
كان لأحد قط أن يفطن إلى هذه الحقيقة وقت نزول
القرآن الكريم
|