إعجاز وغرائب وعجائب

أختبر معلوماتك

اكواد منتديات

اخبر صديقك

كشف المسنجر

إحسب عمرك

 

 

 

يحتاج الصّغار إلى تغذية من قبل الأبوين بقدر حاجتهم إلى الحماية من خطر الأعداء و يجتهد الأبوان في صيد ما يقتاتون به أكثر من أي وقت آخر وذلك لتوفير حاجة الصّغار من الغذاء وهما في الوقت نفسه على أهبة الاستعداد لدرء خطر الأعداء المتربّصين, فعلى سبيل المثال يقوم ذكر الطّير والأنثى بتغذية فراخهما بمعدل 4-12 مرة في السّاعة يوميا، وعندما يكون لديهم أكثر من فرخ ينبغي عليهم أن يخرجوا من عشّهم مئات المرّات يوميا لجلب الغذاء الكافي لأفراد العائلة، وخير مثال على ذلك الطّائر ذو الرأس الأسود"ba?tankara" الذي يخرج ويعود إلى عشّه بمعدل 900 مرّة يوميا جالبا في منقاره الحشرات اللاّزمة لتغذية فراخه (93).

وعملية التّغذية لدى اللّبائن تختلف نوعا ما لأنّ مسؤوليّة تغذية الصّغار تخصّ الإناث لذلك فهي تحتاج تغذية أكثر من الأيام العادية لتوفير اللّبن الذي هو مصدر الطّاقة الوحيد للصّغار، فعلى سبيل المثال نجد "الفقمة" التي ترضع صغيرها بعد الولادة من 10-18 يوما ويزداد وزن الرّضيع في تلك الفترة، أمّا الأمّ فتتناول غذاء إضافيّا لتوفير اللّبن للرّضيع, ومع ذلك فإنّ وزنها يقلّ نسبيّا بالرّغم من هذه التّغذية الإضافية (94).و بصورة عامة يكون الذّكور والإناث في حالة صرف للطاقة أكثر بثلاثة أو أربعة أضعاف في المرحلة الأولى التي يكون لديهم رضيع منها في المرحلة العادية (95). والأبحاث التي أجريت في جامعة لوزان تم التّوصل من خلالها إلى ما ينفقه الذّكور والإناث لدى الطيور من طاقة وجهد عندما يكون لديها فراخ محتاجة إلى الرّعاية والتغذية. فقد أجرى أستاذ علم الأحياء في هذه الجامعة ويدعى "هاينز ريخفر" وتلامذته تجارب عديدة على طير ba?tankara وتوصّلوا من خلالها إلى المسؤولية الجسيمة التي يتحمّلها ذكر هذا الطّير. فقد قام هذا الأستاذ بتغيير عدد الفراخ في الأعشاش المختلفة و تمّ قياس المجهود الذي يبذله كل ذكر على حدة وتوصّل إلى نتيجة مفادها أنّ الذّكر الذي يملك عددا أكبر من الفراخ يبذل جهدا مضاعفا, ولهذا فإنّه يموت مبكرا. ونسبة التّعرض للأمراض الطفيلية لدى الذّكور كثيرة الفراخ تقدر بـ 76% أمّا الذّكور العادية والتي لها عدد أقلّ من الفراخ فتقدر بـ 36% (96). هذه المعلومات توضّح لنا مدى التّفاني والتّضحية التي يبذلها الطّير في تنشئة صغاره.

الطّائر الغواصّ والرّيش الذي يقدّمه طعاما لصغيره

يعتبر هذا الطّائر بمثابة عشٍّ متحرّك لصغاره إذ يمتطي الصّغار أباهم أو أمَّهم ثمّ يفرش هذا الطّائر جناحيه قليلا لئلاّ يقع الصّغار في الماء، وعندما يحين الإطعام يلوي الطير رأسه إلى الخلف ويبدأ في إطعام صغاره من منقاره المليء بالغذاء, إلاّ أنّ أوّل الغيث لا يكون طعاما بمعنى الطّعام لأنّ الذّكر أو الأنثى يطعمون صغارهم بالرّيش الذي جمعوه من الماء أو الذي نتفوه من صدورهم. ويبلع كلّ فرخ كمّا لا بأس به من الرّيش. ولكن لماذا يطعم الطّير صغيره هذا الريش؟ إنّ هذا الرّيش الذي يتناوله الصّغار لا يهضم في معدتهم و إنّما يتراكم فيها وقسم منها يتكلّس في الفتحة المؤدّية إلى الأمعاء، وهذا التّراكم يمنع من الأذى المصاحب لتناول الأسماك التي قد تؤذي بَطانة المعدة والأمعاء بعظامها. وتستمر الطّيور في تناول الرّيش طيلة فترة حياتها، وبلا شك فإنّ أوّل وجبة من الرّيش يتمّ إطعامها للصّغار لها أهمّيتها القصوى (97).

و كما هو معروف فإنّ بعض أنواع الطّيور يطعم صغاره السّمك, فيغوص الطّير تحت الماء و يصيد السّمك من ذيله بحركة سريعة بارعة. وهناك سبب مهمّ يجعل الطّير يصيد السّمك من ذيله فالتقاطه بهذا الشّكل ييسّر على الفرخ الصّغير التقامه و أكله لأنّه يكون مقدّما باتجاه ترتيب العظام, أي أنّ التقامه لا يسبّب أيّ خدش أو غصّ في بلعوم الفرخ, وبالتّالي يتمّ التقامه وهضمه بسهولة. ثمّ إنّ الطّريقة التي يصيد بها الطّير السّمكة تكشف كون الصّيد له أو لأولاده, فإن كان المسك من الذّيل فالطّعام للفرخ الصّغير وإن كان من أي جزء آخر من السّمكة فهذا يعني أنّها طعام للبالغين و الكبار (98).

المسافة الطّويلة التي يقطعها طائر الغواكارو لجلب الغذاء لصغاره

هذا النّوع من الطّيور يبني عشّه في مكان مرتفع عن سطح الأرض بمقدار 20 مترا. وفي كلّ ليلة يخرج لجلب الفواكه اللاّزمة لتغذية الصّغار بمقدار خمس إلى ستّ مرات، وعند عثوره على الفاكهة المناسبة يسحب خلاصتها اللّينة ثمّ يعدّها لتصبح غذاء لذيذا للفراخ. وتخرج أسرابٌ من هذا النّوع كلّ ليلة للبحث عن الغذاء, وتقطع مسافاتٍ طويلةً تربو على 25 كيلومترا. وهناك أنواع من الحيوانات مثلها مثل طائر الغواكارو تهيّئ الغذاء قبل تقديمه إلى الصّغار, فطائر مثل البليكان يقوم بإعداد ما يشبه الحساء, أمّا طائر عقرب الدقائق yelkovan فتقوم أنثاه بخلط البلانكتون مع الأسماك الصّغيرة لإعداد غذاء دسم للصّغار، أمّا الحمام فيفرز من بلعومه سائلا يعرف بـ"حليب الحمام" و يكون غنيّا بالبروتين والدّهن, ويختلف عن حليب اللّبائن في أنّه يفرز من قبل الذّكر والأنثى على حدّ سواء.وهناك طيور تعد لصغارها غذاءا مشابها للحليب (100).

وتكون الفراخ الصّغيرة في أمسّ الحاجة إلى رعاية الأبوين، والشّيء الوحيد الذي تفعله أنّها تفتح أفواهها و تنتظر ما يجلبه لها الأبوان من غذاء. ويسلك مثل هذا السّلوك صغارُ طائر النّورس الذي يتغذّى على سمك الرّينكا, فالصّغار يركّزون أفواههم في النّقطة الحمراء الموجودة في منقار الأمّ. أمّا فرخ طائر عَرعَر ard?ç فعندما يشعر بحركة تنمّ عن قدوم أحد الأبوين إلى العشّ يمدّ عنقه بسرعة إلى الأعلى انتظارا للغذاء بالرّغم من أنّ عيونها لم تنفتح بعد. و يكون الصّغار في هذه المرحلة متميزين بهالة لمّاعة صفراء اللّون حول المنقار كأنّما تشير إلى مكان وضع الغذاء. ويكون حيّز المنقار على درجة كبيرة من الحساسيّة تساعده على فتحه بعد أن يغلقه, و هذا اللّون المختلف لمناقير صغار الطّيور وحساسيتها له أهميّة بالغة في عمليّة تغذية الكبار لهؤلاء الصّغار خصوصا لدى الطّيور التي تبني أعشاشها داخل حفر مظلمة.

ومثال آخر في طير كوليديان اسبينوزا الذي يبني عشّه داخل شقوق مظلمة. ففرخ هذا الطّائر يتميّز بكون منقاره يحتوي من الخارج ومن كلا الجهتين على نتوءين بارزين بلون أزرق و أخضر يلمعان مع أوّل ضوء يدخل العشّ, ويصبحان بذلك مصدرا للضّوء داخل العش المظلم . وهذا اللّون المختلف لا يعتبر دليلا للأم للاهتداء إلى صغارها داخل العش فقط و إنّما يحمل معاني أخرى. فالاختلاف في درجة اللّون يجعل الأمّ تميز بين من تغذّى توّا ومن مازال جائعا لم يتغذّ بعد. فطائر الـ kenevir يكون ما حول منقار صغيره الجائع أحمر اللّون نتيجة تدفّق الدّم للأوعية الدّموية الموجودة في العنق, أمّا إذا تغذّى الفرخ فإنّ معدته تحتاج إلى كميّة أكبر من الدّم تسهّل عمليّة الهضم. لذا فالفرخ الجائع هو الذي يكون احمرار ما حول منقاره بدرجة أكبر. وبهذه الطّريقة يميّز الأبوان بين الفراخ الجائعة و غير الجائعة (101).

إنّ هذا الانسجام الكامل بين المظهر الخارجي للطّير والأنماط السّلوكية التي يمارسها دليل واضح على وجود خالق واحد للطبيعة والكائنات الحية التي تعيش فيها بل خالق واحد لكل شيء. والصّدفة لا تستطيع أن تخلق هذا الانسجام والتكامل الرائعين.

الدّجاج البرّيّ وحمله الماء لسقي كتاكيته

إن الانسجام بين المظهر الخارجي والبيئة التي يعيش فيها الكائن الحيّ أمر مطردٌ في كلّ الأحياء. ومثال آخر لهذا الانسجام هو الدّجاج البري. فهذا الطّير لا يملك مكانا معيّنا يستقر فيه. وعند اقتراب موسم التّبييض يضع هذا الطّائر ثلاث بيضات في مكان منعزل وسط الرّمال. وعند خروج الفراخ من البيض يبدؤون على الفور في البحث عن الغذاء الذي يتألّف من البذور النّباتية ,بيد أنّه ليس لديهم القدرة للبحث عن الماء نتيجة لأنّهم لا يستطيعون الطّيران بعد. ومسؤولية جلب الماء تقع على الذّكر. و بعض أنواع الطّيور يجلب الماء لصغاره في منقاره, إلاّ أنّ ذكر الدّجاج البرّي يضطرّ إلى جلب الماء من مسافة بعيدة لذلك فهو يحتاج إلى شيء من هذا الماء لإرواء عطشه نتيجة هذه الرّحلة الطويلة و الشّاقة. ولهذا الطّير طريقة خاصّة وغريبة لحمل الماء تتمثّل في أنّ الرّيش الذي يغطّي صدر الطّائر وبطنه متميّزا بطبقة ليفيّة من الدّاخل. وعندما يصل الطّير إلى مصدر الماء فإنّ أوّل ما يفعله هو التّمسّح بالرّمل بأسفل جسمه للتخلّص من الملمس الدّهني للرّيش والذي يمنع التّبلّل, ثمّ يقترب من ضفّة الماء و يبدأ بإرواء عطشه أوّلا ثمّ يلج في الماء رافعا جناحيه وذنبه ومحرّكا جسمه للأمام والخلف لتبليل ريشه بأكبر كميّة ممكنة من الماء, و تمثّل الطّبقية اللّيفيّة للرّيش إسفنجاً يعمل على امتصاص للماء. ويكون الماء المحمول بواسطة الريش بعيدا عن تأثير التبخّر ومع هذا يتبخّر جزء منه في حالة القيام برحلة أطول من 25 ميلا. وفي النهاية يصل الطير إلى فراخه الذين مازالوا يبحثون لهم عن طعام. وعند رؤيتهم لأبيهم يسرعون نحوه، وعندئذ يرفع الذّكر جسمه إلى الأعلى ويبدأ الفراخ بمصّ الماء الموجود في الرّيش في وضعيّة أشبه برضاعة اللّبائن لصغارها. وبعد انتهاء عمليّة سقي الصّغار يمسح الذّكر جسمه في الرّمل لتجفيف الرّيش. ويستمر الذكر في إرواء الصّغار طيلة شهرين حتى ينهي الصّغار عملية إسقاط الزّغب وتغييره مرّتين و تصبح لهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم في إرواء عطشهم (102).

إنّ هذا السّلوك الغريب للدّجاج البّري يثير في أذهاننا تساؤلات عديدة، فإنّ هذا الطير يعرف جيّدا كيفيّة الاستفادة من خواصّ مظهره الخارجي ومدى ملائمتها لظروف البيئة التي يعيش فيها, هو يفعل ذلك لأنّ مصدر سلوكه العجيب هو الإلهام الإلهيّ الذي منحه القدرة على التّصرف وفق البيئة التي يعيش فيها.

الحشرات و تغذيتها لصغارها

تقوم أغلب أنواع الحشرات بتغذية صغارها ويرقاتها. و مثال على ذلك حشرة "الحفار" التي تقوم بتغذية صغارها (يرقاتها) الموجودة في الحفر بواسطة البذور، وحشرة الأشجار النطّاطة التي تضع يرقاتها في شقوق حلزونيّة تحفرها تحت قشرة الأشجار حيث ثمّ تغذّي يرقاتها بالنّسغ النّازل من الأوراق إلى لأسفل ويكون مليئا بالموادّ الغذائيّة الجاهزة. أمّا الأَرضةُ فمهمّتها صعبةٌ جدًّا لأنّها يجب أن تغذّي صغارها بالخشب الصّلب المتيبّس والذي تقلّ فيه نسبة النتروجين بدرجة كبيرة. من جانب آخر هناك كائنات حشريّة تقوم بتليين الخشب أوّلا ثّم إعطاؤه للصّغير كغذاء إذ تعمل على التهام الخشب ثمّ هضمه بواسطة العصارات الهاضمة حتى يصبح ليّنا وعندئذ تتولّى الكائنات الحية المجهريّة التي تعيش في جهازها الهضمي عمليّة تفتيت السّليلوز إلى جزئيات أصغر, ثمّ تتقيأ الحشرة ما هضمته وليّنته لتقديمه إلى الصّغير في شكل غذاء جاهز. أما "أمّ أربع وأربعين" الأشجار فتحفر أنفاقا تحت قشرة الأشجار عن طريق مضغها للخشب وتضع بيضها في الأنفاق إلى جانب جلبها لبعض أنواع الفطريّات التي تستطيع تليين السليلوز ليصبح غذاء جاهزا للصغار (105).

إنّ الله سبحانه وتعالى يرزق مخلوقاته بطرق شتّى، والأمثلة التي ذكرناها من الحشرات هي من جملة هذه المخلوقات التي يرزقها الله تعالى بفضله، فهو يرزق صغار الحشرات بواسطة كبارها و هو الذي هداها سبلها, يقول الله تعالى :" وكأيّن من دابّة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإيّاكم وهو السّميع العليم " سورة العنكبوت-الآية60.

نقل الكائنات الحيّة لصغارها

عموما يكون الصّغار مخلوقات ضعيفة قليلة الحركة لذا فإنّها تنقل من قبل الأبوين من مكان إلى آخر عند الخطر أو غيره, ولكلّ كائن حيّ طريقته الخاصّة في نقل صغاره, فبعضها تحمل صغارها على ظهورها وبعضها في فمها والبعض الآخر في تجاويف كيسيه في جناحيه, وفي جميع الحالات يكون الصّغار في مأمن وينقلون إلى مكان آمن وسليم. ولعلّ نقل الصّغار من قبل الأبوين في حالة الخطر يعتبر مثالا جيّدا على التّضحية من أجل الضعيف لأنّ حمل الصّغير ونقله يؤدّي إلى التّقليل من قدرة الأبوين على المناورة. وبالرّغم من جميع المخاطر يستمرّ الأبوان في الدّفاع عن الصّغير. والأسلوب الشّائع بين الأحياء لحمل الصّغير هو الحمل على الظهر، و المثال الجيّد على ذلك هي القرود التي تحمل صغارها أينما تشاء فوق ظهورها، فأنثى القرد تستطيع الحركة بحريّة وهي تحمل صغيرها على ظهرها لأنّ القرد الصغير يتمسك جيّدا بأمّه من خلال إمساكه بالشّعر الكثيف الذي يغطي جسم الأم. وعند إحساسها بالخطر تتعلّق بالأشجار بسهولة بالرّغم حتّى و إن كان وليدها على ظهرها. و تستطيع أن تقفز من شجرة إلى أخرى. ومثال آخر هو حيوان الكنغر فأنثاه مثل باقي اللّبائن الكيسيّة تحمل وليدها في كيس مغطّى بشعر كثيف يقع أسفل بطنها. ويظل الكنغر الصغير في هذا الكيس حوالي خمسة أشهر وعند خروجه من هذا الكيس يظلّ يلعب قريبا من أمّه, وعند إحساسه بأيّ خطر أو شيء غريب يرجع مسرعا إلى هذا الكيس. وتستطيع الأنثى أن تقفز بخطوات كبيرة مسرعة بالرّغم من أنّ صغيرها يكون محمولا بواسطة أرجلها الخلفيّة القويّة.

وكذلك الناجب فهي تحمل صغارها ولكن بأسنانها من بطن صغيرها المتدلية. و ينقل هذا الحيوان صغاره عندما تشعر الأنثى بالخطر ووجوب تغيير مكان المسكن, وتظلّ تحمل أولادها واحدا تلو الآخر إلى المكان الجديد. وعند اكتمال عملية النقل ترجع إلى المكان القديم للتأكّد من أنّ أحدا من أبنائها لم يتخلف. و بالنّسبة إلىصغار الفئران فإنّها تظلّ ملتصقة بحلمة ثدي الأمّ لساعات طوال. وعندما تحسّ الأمّ بالخطر تبدأ في الهرب ساحبة أولادها بين أرجلها نتيجة التصاقهم الشّديد بحلمة الثدي. وعند اكتمال عمليّة النّقل ترجع إلى المكان القديم لتتأكّد من كون أحد من صغارها لم تخلف.

وتتميّز الخفافيش بأنّها تطير اللّيل كلّه بحثا عن الغذاء الذي يكون إمّا فاكهة أو حشرات, وهي تحمل صغارها معها أثناء طيرانها, و يكون الخفّاش الجديد ماسكا بمخالبه شعر أمّه وزارعا أنيابه اللبنيّة بقوة في ثديها. وتحمل طيور "دجاج الماء" و "حدأة المستنقعات" إضافة إلى طير ذو الرأس الأسود ba?tankara صغارها بمناقيرها عند الانتقال من مكان إلى مكان آخر. أمّا الصّقر ذو الذّنب الأحمر فيحمل صغاره بمخالبه بنفس الطّريقة التي يحمل بها الفريسة بعد أن يصطادها. وتحمل الطّيور الغواصّة صغارها على ظهورها وعند إحساسها بالخطر تغوص في الماء سابحة بينما يظل صغرها على ظهرها. أمّا الضّفادع فتحمل صغارها أو بيضها على ظهورها, فالضّفادع البرّية والاستوائيّة تستطيع أن تقفز وصغارها على ظهورها وأن تتنقل إلى المكان الذي تراه مناسبا. والمثال الأغرب هو بعض أنواع السمك الذي يحمل صغاره في فمه أثناء نقلهم إلى مكان آمن ، فالسمك الشوكي يظل ذكره يحوم حول العش الذي بناه بين الأعشاب المائية حراسة له وإن حدث أن ابتعد أحد الصغار الخارجين حديثا من البيض يلتقم الذكر هذا الصغير الشارد في فمه ويعيده إلى العش ثانية.

وبالنسبة للنمل فتقوم العاملات بحمل البيض واليرقات من غرفة إلى أخرى داخل الخلية بواسطة فمها ، حيث تقوم العاملات كل صباح بحمل اليرقات باتجاه ضوء الشمس من مكان لأخر في قمة الخلية ، وفي المساء تبدأ العاملات بحمل اليرقات إلى الأجزاء السفلية من الخلية والتي سخنت نتيجة ضوء النهار والحاوية على غرف خاصة لرعاية اليرقات ، وتكون مداخل هذه الغرف مقفلة لمنع دخول الهواء البارد في الليل وفي الصباح يتم فتحها لحمل اليرقات إلى قمة الخلية مرة أخرى .

وإذا هوجمت الخلية من قبل الأعداء فتفعل العاملات ما بوسعها من أجل حماية اليرقات ،وقسم من النمل يبدأ هجومه على الأعداء في المنطقة التي يتواجدون فيها والقسم الآخر يذهب إلى الغرف الخاصة التي تحتوي على اليرقات لحراستها من أي مكره حيث تقوم النحلة العاملة بأخذ اليرقة بين فكيها وتذهب بها إلى مكان بعيد عن ميدان المعركة حتى ينجلي الموقف أو يخرج العدو من المستعمرة (107).

ومن هذا العرض للأمثلة المختلفة يتبين لنا أن الكائنات الحية سواء كانت أسودا أو حشرات ضفادع كانت أو طيور فكلها تحمي صغارها بشكل أو بآخر بواسطة الحمل أو النقل إلى مكان أمين وهذا يعني أنها ذات سلوك يتسم بالمخاطرة وتحمل المكاره من أجل الصغار ، إذن كيف يمكن لنا أن نفسر مصدر هذا السلوك ؟ ويتضح من الأمثلة السابقة أن الكائنات الحية تتحمل مسؤولية تنشئة صغارها حتى بلوغها مرحلة الاعتماد على النفس ، وحتى تلك الفترة فإنها تلبي كافة احتياجاتها دون نقص أو كلل ، ونستطيع أن نشاهد أمثلة أخرى عديدة غير التي ذكرناها في الطبيعة .

وتتجلى أمامنا الحقيقة مرة أخرى ، ألا وهي إن كافة الكائنات الحية تحيا برحمة الله تعالى، حيث يلهمها عز وجل كل منها سلوكها وكيفية معيشتها وهي تستجب لهذا الإلهام الإلهي ، وكل كائن حي يخضع وينقاد للإرادة الإلهية حسب ما ورد في القرآن الكريم :

قال الله تعالى : "و له من في السماوات والأرض كل له قانتون " صدق الله العظيم. سورة الروم-الآية 26