المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : الإسلام دين الوسطية


فافد حب
16-07-2007, 04:19
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الموضوع مطروق من لدن عدد من الباحثين والدعاة حتى كأن الكتابة فيه أصبحت من قبيل التكرار والاجترار ، ومع ذلك فقد ملت إلى تناوله دون اضطرار لمراجعة الكتابات السابقة التي تتفاوت بين المستويات الثلاثة : الأجود والجيد والأقل جودة .

ومن المعلوم أن القرآن الكريم وصف الأمة الإسلامية بالوسطية في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .

ومعنى الوسط كما فسره القرآن الكريم في آية أخرى "الخيرية" : قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وفي اللغة : المرعى الوسط هو خياره ، ووسط الشيء أفضله وأعدله ، وواسطة القلادة : الدرة التي في وسطها وهي أنفس خرزها . وفي الصحاح : " واسطة القلادة الجوهر الذي هو في وسطها وهو أجودها" . وقد فسره الإمام على أنه أحسن الأديان ، وفلان من أوسط قومه أي خيارهم وأشرفهم وأطيبهم, ومنها سميت الصلاة الوسطى لأنها أفضل الصلوات وأعظمها أجرا ولذلك خصت بالمحافظة عليها, وقد وُصِفَ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان من أوسط قومه .

وقال ابن الرومي يبكي أحسن أبنائه بقوله :

توخّى حمام الموت أوسط صبيتي
فللــه كــيف اختــارَ واسـطةَ العقـد




والإسلام مبناه على الخير والعدل والإحسان والمعروف والأمانة والصدق والعفة وسلامة الصدر وسيادة العقل والحرية المسؤولة واحترام الآخر والتواضع والرحمة والاستقامة والحياء إلى غير دلك من القيم التي هي جديرة بالقدوة .

إن الأمة الإسلامية خوطبت بآيات قرآنية عظيمة تحدد لها رسالتها في ظل الإسلام بقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .

كأنه قال : " أنتم خير أمة في الوجود الآن لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد فلا يعرف فيها المعروف ولا ينكر فيها المنكر ، وليست على الإيمان الذي يزع أهله عن الشر ويصرفهم إلى الخير ، وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله إيمانا صحيحا يعكس أثره في العمل ، وحينئذ تكون كان تامة" .

وقيل ناقصة : " أي كنتم في علم الله وفي اللوح المحفوظ أو كنتم في الأمم السابقة كما في كتبها المبشرة بكم خير أمة أخرجت للناس " .

ومهما يكن التقدير فإن أمة محمد هي خير أمة أخرجت للناس ، وقد استحقت هذه الخيرية بالمزايا الثلاث المذكورة ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستمرار على الإيمان بالله والاعتصام جميعا بحبل الله .

فإن كانت هذه الأمة بهذه المكانة والمنزلة التي اختارها الله - سبحانه وتعالى - لها فعليها أن تحقق ذلك من ذاتها ونفسها كما جاء في قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهذا التعبير أجمل وأوفى بالمراد كما تقول : ليكن لي منك صديق . وفيه ما فيه من الحث على العمل وبذل الجهد وإحسان الاتباع حتى تستحق جماعة المؤمنين بهذا الدين أن تحظى بشرف تلك المكانة والمنزلة قبل التمكين لها ، وذلك بالدعوة إلى الخير وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر في دائرة جماعتها ، تتبادل فيما بينها التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وبعد التمكين لها في القيام برسالتها داخل مجتمعها محافظة على الميزات الثلاث التي أهَّلَتها لتكونَ أمّةَ الخير تدعو إلى الخير ، وهل هناك خير وأعظم من الإسلام إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فهو الدين الذي رضيه الله لنا وأمرنا أن نتمسك به ولا نموت إلا ونحن مسلمون . لكن رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد التمكين وبالأحرى قبله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، إذ شعار الإسلام في دعوته : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وقد أعجبني كلاما ورد في المنار لبيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني تجريد السيف ورفع السوط لإكراه الناس على الدخول في الإسلام لكونه أعرفَ المعروفات ، وإقلاعهم عن الكفر بكونه أنكرَ المنكرات . يقول صاحب المنار : " إن هذا القول باطل مبني على قواعد غير ثابتة . . . ومنها :

أن الإكراه على الدين منفي في الإسلام بنص القرآن ، ولم يحارب الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا من العرب ولا من غيرهم لأجل الإكراه على الإسلام ، وإنما حارب دفاعا . وكيف يحاول الإكراه والله تعالى يقول : أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ .

وقد فرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفريضة تغيير المنكر ، وبيّن أن رسالة ذلك ليست الدعوة إلى الإسلام والإلزام به .

وإن قول القفال الذي نقله الرازي مخالف لقوله -تعالى- في سورة الحج في وصف المؤمنين بعد الإذن لهم بقتال المعتدين عليهم : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ فجعل - سبحانه وتعالى - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوصافهم بعد التمكين في الأرض وذلك لا يكون بالجهاد ، بل بعده .

ومن أجمل وأعظم ما ورد في هذه الآية كما سبقت الإشارة التبشيرُ بخيرية هذه الأمة بشرط أن تجاهد نفسها على الإيمان بالحق والعمل به والسير على هداه والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وبكل ما هو حسن وأحسن ، والصبر على ذلك . وهذا يعني البحث عن أنجح الوسائل وأجمل الطرق وأجدى الأساليب وأقوم الخطاب الذي يقدم من خلال القدوة الحسنة والأسوة الخيرة تبشيرا بالخير وترغيبا فيه ، وهو أي الخير : " ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلا والعدل والفضل والشيء النافع ، وهو خير مطلق مرغوب فيه من كل أحد وعند كل أحد " .

وقد وصف الله جماعات المسلمين وأفرادها بأنهم هم المفلحون اختصاصا وتأكيدا ، ولهم درجات عليا وذلك بورود اسم الإشارة "أولئك" لأنهم يدعون إلى الخير ويأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر ، فإذا تم لهم ذلك فهم "أمة الوسط " و"أمة الشهادة " على الناس جميعا ، وسيكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم شهيدا . وهكذا نرى هذه الآيات الثلاث متناسقة يترتب بعضها على بعض : فالأولى تبين أن هذه الأمة كانت خير أمة أخرجت للناس في علم الله أو في اللوح المحفوظ ، والثانية : أن على هذه الأمة أن تعمل وتصنع من نفسها ما هو المطلوب منها : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ . وثمرة ذلك استحقاقها أن تكون أمة الشهادة على الناس . ولا تستحق ذلك إلا إذا تحققت فيها شروط الشهادة وأهمها : العلم والعدالة والاستقامة على الصراط المستقيم وكل الخصال والقيم الخالدة والأخلاق السامية والخلال الحميدة التي عبر عنها القرآن الكريم بإيجاز معجز : " بالوسط " وهي العدل والخيار وسمو المنزلة بما تحقق فيها من اشتمالها على جميع حقوق الإنسانية وحسن توازنها بين المادة والروح وتخلصها أو براءتها من إفراط هناك وتفريط هنا وغلو هناك وتقصير هنا . والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الشاهد على أمته التي أكرمها الله - سبحانه وتعالى - بالوسطية لكونه المثال الأكمل لمرتبة الوسط ، وإنما تكون هذه الأمة وسطا باتباعها له - صلى الله عليه وسلم - في سيرته وشريعته . . . فكأن الله يقول : إنما يتحقق لكم وصف " الوسط " إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستقمتم على سنته .

وهذه الوسطية هي الواردة في الفاتحة باسم " الصراط المستقيم " التي تعبدنا الله بها أي بالفاتحة في كل صلاة لكونها أمّ الكتاب ، ومن خصائص هذا الصراط المستقيم أنه موصل للغاية السامية ، وهو وحده كذلك دون الطرق الأخرى الملتوية والمعوجة والمنحرفة والكؤود أو المليئة بالحفر والأمت ، وأنه طريق مأنوس بالسائرين إلى الله من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم ، وهم أولئك الذين عرفوا الحق وخالفوه ، وغير الضالين الذين جهلوا الحق واجتهدوا في جهلهم وتمادوا في غيهم ، فأمة الوسط بين هذين الطرفين المنحرفين عن الحق .

وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الوسطية بشجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء . وهي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك كما ورد في الحديث الشريف . وكما جعل الله الأمة الإسلامية وسطا بين الأمم فقد جعل قبلتها وسطا بين الجهات ، وقد هداها - سبحانه وتعالى - إليها وسماها الصراط المستقيم فقال تعالى : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فهي إذن أمة وسط في قبلة الصلاة أي في الجهات كذلك جعلها وسطا بين الأمم .

جداوية
13-08-2007, 11:50
يعطيك العافيه

ع الموضوع الرائع

والطرح الاروع

لاهنت

تقبل مروري

وحيــد الليل
06-09-2007, 04:42
يعطيك العافيه